الشيخ محمد علي طه الدرة

608

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى وكقوله تعالى في سورة ( الأنبياء ) : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وهذا من عظمة اللّه ، وجلاله ، وكبريائه عزّ وجلّ ؛ حيث لا يجرؤ أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة ، كما في قول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث الشّفاعة : « آتي تحت العرش ، فأخرّ ساجدا فيدعني ما شاء اللّه أن يدعني ، ثمّ يقال : ارفع رأسك ، وقل تسمع ، واشفع تشفّع » . يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ : الضمير يعود إلى الخلق المعبّر عنهم ب ما ؛ والمعنى : يعلم اللّه ما هو حاضر ، وشاهد لهم ، وهو الدّنيا وما فيها ، وما خلفهم ، أي : أمامهم من أمر الآخرة ، ويجوز أن يكون المعنى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ : أمر الآخرة ، وَما خَلْفَهُمْ : أمر الدّنيا ؛ لأنّ الإنسان مستقبل للآخرة ، مستدبر للدنيا ، فهو دليل قاطع على إحاطة علمه عز وجل بجميع الكائنات ، ماضيها ، وحاضرها ، ومستقبلها . وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ أي : لا يعلمون شيئا من معلوماته إلا بما أعلمهم اللّه إياه على ألسنة الرّسل ، أو المراد : لا يطلعون على شيء من علم ذاته ، وصفاته إلا بما أطلعهم اللّه عليه ، كقوله تعالى في سورة ( طه ) : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً . وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ : يقال : فلان وسع الشيء سعة : إذا احتمله ، وأطاقه ، وأمكنه القيام به ، وأصل الكرسيّ في اللغة : من تركّب الشيء بعضه على بعض ، ومنه الكرّاسة لتركيب بعض أوراقها على بعض ، والكرسيّ في العرف : اسم لما يقعد عليه ، وسمّي به لتركيب خشباته بعضها على بعض ، واختلفوا في الكرسيّ هنا على أربعة أقوال : أحدها : أنّ الكرسيّ هو العرش نفسه ، قاله الحسن البصري ؛ لأنّ العرش ، والكرسي اسم للسّرير ؛ الذي يصحّ التمكّن عليه . الثاني : أنّ الكرسيّ غير العرش ، وهو أمامه ، وهو فوق السّموات السّبع ، ودون العرش ، قال السّدّي رحمه اللّه تعالى : إنّ السماوات والأرض في جوف الكرسيّ كحلقة ملقاة في فلاة ، والكرسيّ في جنب العرش كحلقة في فلاة ، وعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : إنّ السماوات السّبع في الكرسيّ كدراهم سبعة ألقيت في ترس . القول الثالث : إنّ الكرسي هو الاسم الأعظم ؛ لأنّ العلم يعتمد عليه ، كما أنّ الكرسي يعتمد عليه ، وقال ابن عباس : كرسيّه : علمه ، وهو قول ثان له ، ورجّحه الطبري ، قال : ومنه الكرّاسة التي تضمّ العلم ، ومنه قيل للعلماء : كراسي ؛ لأنّهم يعتمد عليهم ، كما يقال : أوتاد الأرض ، قال الشاعر : [ الطويل ] يحفّ بهم بيض الوجوه وعصبة * كراسيّ بالأحداث حين تنوب